حسني بنسليمان الجنرال دو كور دارمي قائد الدرك الملكي ورجل المهمات المستحيلة

lenquete 23:17 | الخميس 10 مارس 2016.

هل كان الطفل «حسني» وهو يلعب رفقة أقرانه بدروب وحواري مدينة الجديدة، أو عندما كان يحك لوحه بالسمق والصلصال بالمدرسة الإسلامية بالدار البيضاء، يعلم أنه يوما ما سيصبح رقما صعبا في معادلة السلطة داخل المملكة؟ وهل تبادر إلى ذهنه ذات مرة أن طموحه كشاب سيتعدى شباك مرمى فريق الجيش الملكي، ليتحول إلى أحد أقرب المقربين للملك الراحل؟

< لا أحد يمكنه الإدلاء بإجابة بشأن هذين السؤالين سوى رجل واحد هو حسني بنسليمان، أو «مون جنرال» كما يحلو للبعض مناداته، فهو، حسب سيرته الذاتية الظاهرية، تعلم فنون القفز على الحواجز مهما كانت عالية، من خلال تمرسه في رياضة القفز العلوي، لذلك عرف الرجل كيف يستثمر مهاراته ليقفز عاليا، وبالتالي أضحى الأعلى رتبة في هرمية الجيش بعد نيله لقب جنرال دوكوردارمي، والتي تعني عند ذوي الاختصاص، السلطة المطلقة في جهاز الدولة بعد سلطة ملك البلاد.

< يقول أحد الخبراء في الشأن العسكري متحدثا عن ابن دكالة: «ليس سهلا أن يستغني القصر عن رجل مخضرم عرف كيف يتصرف خلال نظامي الحسن الثاني ووريثه على العرش الملك محمد السادس»، وذلك راجع بالأساس إلى كونه يتوسد صندوقا عاجيا من أسرار الدولة التي تراكمت على عهد ملكين، بينما يقول آخر إن بنسليمان، الذي هو «ذو حظ عظيم»، يعد بمثابة ورقة «الجوكر»، إذ يضطلع بحكم صلاحياته وسلطاته الواسعة على أدق التفاصيل الأمنية، سواء داخل المدن أو البوادي، بما في ذلك منطقة الصحراء المغربية، حتى إنه أمسك بقفازه المخملي بعضا من مهام الراحل إدريس البصري الأمنية بعد عزلة مع انطلاق شعلة العهد الجديد.

< وزن حسني بنسليمان، حسب بعض المحللين، يبقى ثقيلا بالقدر الذي جعله مصدرا لثقة الملك محمد السادس، فهو إلى جانب الجنرال عروب، الذي يعتبر عينا أخرى للملك على ترسانته الحربية (جيش – جنود – ضباط – أسلحة – لوجيستيك...) وإن كانت المهام المنوطة به خلال المرحلة الراهنة جعلته لا يزور الصحراء إلا لماما، لكن بالرغم من ذلك فإن ظله مازال حاضرا بقوة في المنطقة العسكرية بحكم تمتع جهازه (الدرك الحربي) بصفة المراقب العام للجيش.

< يرى بعض المهتمين بـ«مون جنرال» أن الفيالق والوحدات العسكرية في المنطقة الجنوبية لا تشغل محركات شاحناتها أو تغادر ثكناتها إلا بضوء أخضر من قيادة الدرك الملكي، وحتى إذا تأتى لها التزحزح من مكانها، فذلك لن يكون إلا خلف رجال دوكوردارمي حسني بنسليمان، كان يتعدى ابن دكالة ذلك حين يكون أبناؤه حاضرين في عملية نقل الذخيرة والقيادة من مكان لآخر، بل لا يمكن لطائرة أو مروحية أو مقاتلة من ترسانة الصحراء أن تقلع إلا بترخيص صادر عن قيادة الدرك الملكي التي يجلس بنسليمان على عرشها بكل أريحية منذ زمن بعيد.

< ولد حسني بنسليمان في 15 دجنبر 1935 بعاصمة دكالة (الجديدة). درس بالمدرسة الإسلامية بالدار البيضاء ومن ثمة تابع مشواره الدراسي في هذه المدينة إلى أن توجه رفقة بعض المتفوقين إلى فرنسا، حيث تلقى بإحدى مدارسها (سانتسير) تكوينا خاصا في المجال العسكري، وعند عودته إلى أرض الوطن، وجد باب القوات المسلحة الملكية مفتوحا في وجهه، سيما وأنه، إضافة إلى تكوينه، يعد أحد أبناء عائلة نافذة، عرفت بعلاقتها القوية بالقصر.

< عين حسني بنسليمان، حسب بعض المصادر، قائدا لوحدات التدخل السريع بعد أربع سنوات من حكم الملك الراحل، وبعدها بثلاث سنوات أصبح نائبا للمدير العام للأمن الوطني، بيد أنه لم يعمر طويلا في هذا المنصب، إذ أسند إليه الملك الحسن الثاني منصب عامل على مدينة طنجة، أعواما بعد ذلك عين عاملا على إقليمي القنيطرة ومكناس. وتبعا لذات المصادر، فإذا كان الانقلابيون الفاشلون ضد نظام الملك الراحل قد رسموا بالسواد صفحة من صفحات المغرب، فإنهم بالمقابل، فسحوا مجالا جديدا أمام طموح ابن دكالة، لاسيما وأنه أبان عن علو كعبه خلال الحدثين البارزين كخادم أمين للأعتاب الشريفة، آنذاك عينه الملك الراحل قائدا للدرك الملكي، وهو المنصب الذي لازال متحكما في خيوطه منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. يصفه البعض بكبير الدركيين، وذلك لأن الرجل، وإن كان يطل من تحت قبعته العسكرية على منتصف عقده السابع، فقد ظل شامخا بطول قامته كمتربع على عرش الدرك الملكي، الجهاز الذي وصفه بعض المحللين بـ«الوجه الأنيق للجيش»، إلى جانب مهامه العسكرية، يبقى الجنرال حسني بنسليمان رجل الرياضة بامتياز، كما أن مساره كرياضي حافل بالإنجازات والإخفاقات، إذ إنه قبل حصول المغرب على استقلاله من قبضة الفرنسيين بثلاث سنوات، كان حسني بنسليمان بطلا في رياضة القفز العلوي، إذ حقق مع الجمهورية لقب بطل فرنسا وهو ابن الثامنة عشرة، عقب تحقيقه قفزة تجاوزت مترا و93 سنتمترا، كما كان نجما في رياضة الفروسية وكرة الطائرة، وسبق له أن لعب في صفوف فريق «شارل نيتر» ليصبح «بيفو» متميزا داخل تركيبته البشرية التي كانت تضم عناصر من مختلف الديانات، أضف إلى ذلك أن قامته الفارعة التي أهلته، حسب بعض المهتمين بسيرته الرياضية، لأن يغدو متخصصا في الجري السريع، صنف المائة متر، لكن بعد عودته إلى المغرب تخصص بنسليمان في حراسة المرمى في مجال كرة القدم، وتقلد مركز حامي عرين فريق الجيش الملكي خلال حقبة الستينيات من القرن الفائت، قبل أن يصبح رئيس النادي. هذا الرصيد الرياضي كان عاملا حاسما –حسب كثيرين- في أن يدخل الجنرال إلى عالم كرة القدم من جديد سنة 1994 كرئيس للجامعة الملكية لكرة القدم عقب إخفاق المنتخب الوطني في مونديال الولايات المتحدة الأمريكية، إذ جرى انتخابه خلال ولايتين، ليرفض في آخر المطاف الترشح لولاية ثالثة، فاسحا المجال لعلي الفاسي الفهري، المدير العام للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب والمكتب الوطني للكهرباء.

< كان هذا، إذن، مسارا مختصرا لرجل عرف كيف يتموقع داخل المربع الضيق للسلطة، وأحد أبرز رجالات الملك محمد السادس في الظرف الراهن، وإن كانت جل العوامل البيولوجية تستدعي تغييره بطاقة شابة، من شأنها نفث روح جديدة في جهاز الدرك الملكي، فإن حساسية الرجل داخليا وخارجيا، جعلته أحد مصادر الثقة لدى الجالس على العرش وعلبة أسرار تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ المغرب.

يتمتع بقامة وجسد رياضيين، رغم تجاوزه سن السبعين. يمتطي دراجته العادية كل صباح، ونادرا ما ينزع نظارته السوداء ليرى شمس صباحه العسكري بمقر مكتبه الخاص بالقيادة العامة للدرك الملكي.

< يوم 25 يوليوز 1999، توفي الملك الحسن الثاني، فدشن الجنرال مسارا جديدا في «مسلسل» خدمة العرش العلوي. بدأه بتقديم البيعة والولاء للملك الجديد. «الرجل ما شاف منو غير الخير»، يشير مصدرنا. فالجنرال لم يكن من أولئك الذين ينقلون الأخبار المزيفة والشائعات للملك عن ابنه، عكس ما كان يفعله أخرون، كما كان يعتني جيدا بأميرات وأمراء العائلة الملكية. ولم يشغل باله بصراعات المربع الملكي. الشيء الذي احتفظ للجنرال بكل صلاحياته ورمزيته ووضعه الاعتباري.

< «الجنرال بنسليمان، كان يقبل المسؤؤولية بدون تردد». ولو كانت بعيدة كل البعد عن اختصاصاته ومجال اهتمامه.

< سنة 1994 سيكلفه الملك الراحل بمهمة رئاسة «الجامعة المغربية لكرة القدم» وهذه أحد العوامل التي عززت موقعه لدى الملك الراحل، يؤكد مصدرنا.

< ورغم كل ما يمنحه المنصب العسكري من إغراءات، تجعل جنرالات المملكة في غنى عن تحمل مسؤوليات لا تغني ولا تسمن، «فيها غير وجع الراس الذي ينجم –عادة- عن ضغط جماهير عاشقة حتى الموت للكرة المستديرة»، بل «إن الجنرال وضع نفسه في متاعب خدمة عناصر الفريق الوطني، وكثيرا ما كان يتدخل لحل المشاكل العائلية والشخصية لبعض اللاعبين»، يؤكد أحد الأطر التقنية- كما حدث ذات مرة مع حارس المرمى بادو الزاكي، عندما تدخل ليسهل عملية إنجاب زوجته بإحدى أرقى المستشفيات، بل واتصل به هاتفيا ليطمئن على حالتها ويبلغه «سلاما ملكيا»، كان ذلك بمكسيكو 1986، مما كان دافعا معنويا للاعب الذي تألق في الدفاع عن شباك المنتخب أمام أعتد المنتخبات العالمية.

أضف تعليقك