حديث إلى ممتهني المعارضة السياسية وأدعياء الإصلاح ببلادنا (ج3)

حاتم حجي 16:20 | الاثنين 28 مارس 2016.

حين تساءلنا في الجزء السابق على ضوء ما ينشر الآن من خلال بعض المذكرات والاعترافات والحوارات الصحافية لبعض زعمائنا السياسيين عمن نصدق: الأحياء أم الأموات؟ كان ذلك برغبة مشروعة وملحة في معرفة حقيقة تاريخنا السياسي، عسانا نتجاوز بذلك مراحل العقم الذي نعاني منه حاضرا، والذي يكاد يحيط بكل جوانب الحياة في بلادنا، ويعتبر العنصر السياسي العامل الجوهري والأساسي في مجمل تجلياته، وبدون مبالغة!

وقد لا نشك قطعا في أن ما تعانيه أجيالنا الناشئة من ظروف عصيبة، تتأرجح بهم ما بين تائه في خضم هذا الزخم الهائل للواقع اليومي، وبين باحث عن ضالته بالسقوط في أحضان بعض التيارات الفكرية والإديولوجية الجارفة، وبين مستسلم لعلل الوصولية والانتهازية المعبرة عن الواقع المرضي للسلوكات العامة في غياب مؤسسات حقيقية فاعلة ومؤثرة، تسعى جاهدة إلى تأطير ناشئتنا ثقافيا وأخلاقيا وسياسيا بدعم قيم التعايش، والحوار، والقبول بالاختلاف والتنوع كأساس لمعنى الوطن والمواطنة. وما نحن بصدده اليوم، لا نعتبره شأنا منحصرا في حدود الكيانات السياسية التي تعتبر نفسها الوصية على تدبير شؤون المغاربة، بل هو شأن يتعدى ذلك إلى ما هو أكبر وأهم، إلى حاضر ومستقبل المغرب، فقد يهم المواطن المسيس والمواطن اللامنتمي، ويهم أساسا (شباب المغرب) الذي يتطلع لعهد الديمقراطية والنماء والتقدم ومن حقه علينا إشراكه في اللحظات المصيرية فيما نصنعه من قرارات سياسية تمس مستقبله، كي يتمكن ليس فقط من إبداء الرأي والمشاركة بل أساسا من أجل التعبئة لنصرة المجتمع الديمقراطي، ومن أجل كرامته ومستقبله.

ولعل ما يعانيه أبنائنا من غموض، والتباس وفوضى بشأن الحاضر والمستقبل مرجعه بالأساس الجهل بحقيقة الماضي، فنحن أمام أزمة حقيقية أزمة هوية، وأزمة وجود: //أكون أو لا أكون// ! إنه الإحساس الحقيقي الذي يتجاذب أبنائنا، ونحن كأباء علينا الوعي بأن لا مناص من المساءلة اليوم أو غدا، مساءلة أنفسنا أبنائنا لنا، وأخشى ما أخشاه أن تكون صيغ هذه المساءلة مدمرة بعد فوات الأوان فتأتي على الأخضر واليابس.

هذا التصور هو الذي يشكل باعتقادنا جوهر إشكالية حديثنا إلى من نصفهم اليوم بممتهني المعارضة السياسة وأدعياء الإصلاح ببلادنا حتى يتسنى لهم أن يدركوا بأن المرحلة الراهنة من تاريخ المغرب ذات خصوصية سياسية، تقتضي الوعي بأهميتها التربوية في معالجة القضايا الكبرى لبلادنا، القائم على الحوار، بدلا من النزوع إلى المزايدات السياسوية التي تعبر عن تكريس واقع البؤس الفكري والسياسي الذي نعاني منه اليوم بشكل غير مسبوق في تاريخ المغرب وبدون مبالغة!

نحن اليوم أمام سلوكات تدميرية بإسم المعارضة، مبطنة بشعارات الإصلاح، والحرية والديمقراطية والكرامة، ومشحونة بنزعات مفرطة في الذاتية، ذات حمولة صدامية لهذا المفهموم النبيل، مفهوم النضال، علما بأن هذا الموقف في الأصل يشكل تعبيرا ذا حمولة أخلاقية وتربوية تسمو عن المشاحنات، وعن المهاترات الدالة على عجز تام على المستوى الفكري والسياسي لدى زعمائها . ومهما يكن، فإن هؤلاء لا يصح في حقهم إلا القول بالمثل المأثور: «القافلة تسير والكلاب تنبح».

وما أحوجنا في هذه المرحلة الدقيقة من طموحنا إلى إتمام بناء مشروع الانتقال الديمقراطي إلى النضج السياسي، وإلى الحكمة في تدبير خلافاتنا الهادفة إلى تأسيس منظومة إصلاحية شاملة دون إقصاء أو استثناء لأي طرف في وضع لبنة من لبناتها، على أن نضع نصب أعيننا المصلحة العليا للوطن، لا كهؤلاء الذين حق في وصفهم قول الله تعالى: «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى».

 وفي نفس السياق، يؤكد الأستاذ المناضل محمد المريني في موضوع «التناوب مشروع لم يكتمل»، ضمن سلسلة (الشراع) عدد 39 متحدثا بكل دقة وموضوعية، تنم عن رؤية متبصرة بخصوص تجربة حكومة اليوسفي وما تعرضت له من انتقادات، إلا أنما كانت في مجملها خارج سياقات المرحلة التاريخية، وخارج الوعي الدقيق بشروطها وعواملها:

«الرهان مع حكومة اليوسفي، رهان جدي، وهو لا يسمح بإمكانية الاختيار بين المشاركة أو المساندة النقدية أو بالأحرى موقف المعارضة، النقد حق وواجب ثابت حتى من داخل موقف المشاركة، لكن الاكتفاء بالنقد وحده وانتظار الفشل موقف – أقل ما يقال عنه- إنه ينم عن عدم تقدير اللحظة السياسية ودقتها في تاريخ المغرب، وفي مشروع ومسار الانتقال الديمقراطي ص 60 «.

هذه الرؤية المتبصرة، وإن كانت في حق حكومة (اليوسفي) إلا أنها صالحة للتعميم، بحكم انسجامها مع المنطق السياسي الحكيم المبني على الفكر الثاقب، والموضوعية في التحليل. وما أحوجنا في هذه اللحظات، لحظات البؤس السياسي إلى مثل هذه المواقف الحكيمة المتزنة بديلا عن (العربدة السياسية) التي ابتلينا بها من لدن هؤلاء المدعين للإصلاح، والتي ستفضي لا محالة إلى الشعور باليأس وتدفع بعموم الشعب إلى القناعة بأن الأمل في التطلع إلى تجاوز عتبة الماضي بكل مآسيه نحو تحقيق مطامحه المشروعة إلى الحرية والكرامة قد تقهقر، وأن بوادر هذا المشروع الحضاري قد توقفت، بل ربما سنجد أنفسنا أمام ارتداد خطير في اتجاه مصير مظلم، لأن الشعب حين سينفض يده من خط الإصلاح الديمقراطي، سيحكم على خيار هذه المرحلة التاريخية برمتها، بأحزابها، بما في ذلك قواعد هذه الأحزاب ورموزها السياسيين دون تمييز أو استثناء بالفشل الذريع. ولعل ما نعايشه الآن من مظاهر العزوف السياسي لدى فئة الشباب، وما يعانيه هؤلاء من انحرافات وانزلاقات نفسية وفكرية مرجعها إلى هذا الشعور الذي أخذ يستشري ويستفحل في شعورنا ووجداننا جميعا.

فكيف بنا، وقد ابتلينا بهذه الظاهرة الشينية (شباط ولشكر) القاسم المشترك بينهما (سبحان الله) حرف (الشين) وكم من المتناقضات الدال عليها هذا الحرف كمكون من مكونات لغتنا! والقاسم المشترك بينهما (سبحان الله) الأول يسير وراء حمار يقوده في إحدى أكبر تظاهرة احتجاجية بعاصمة المملكة كتعبير عن العبقرية السياسية التي انتهى إليها حال ساستنا، والآخر في الطرف المقابل ينوب عن الحمار في «التهرنيط» !.

 اسي شباط! اسي لشكر! ربما كان لكما موقع داخل أعتى حزبين في تاريخ الحركة النضالية بالمغرب، ولكن – وللأسف – لم يكن لكما أثر أبدا، ولن يكون !

إن الزعامة تقتضي معايير وشروط وأولها الكفاءة الفكرية والثقافية، وثانيها الإيمان بحق الاختلاف ونبذ العدمية والإقصاء وثالثها الشفافية في تدبير المواقف، والصدق في التعبير عنها تحقيقا للمصلحة العليا للوطن!

رحم الله السي علال الفاسي، ورحم الله الشهيد المهدي بنبركة.

لقد كانت الأخطار محدقة بالمغرب من كل جهة، فكانا يفكران تفكيرا وطنيا، والوطنية تقوم على الوحدة والجمع، لا على الشتات والفرقة.

يقول المرحوم محمد عابد الجابري فيما يذكره بخصوص أول مقالة صحافية نشرت له في جريدة (التحرير) الناطقة بلسان (حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) الحديث العهد بالتأسيس انطلاقا من رحم (حزب الاستقلال) في عدد 9/9/1959. وكان موضوعه عموما يتركز حول انتقاد حزب الاستقلال : «وفي الصباح قبل الظهر كلمني المهدي بالهاتف من الرباط ليقول لي : // إن ما كتبته اليوم جيد ... ولكن في الفترة الفلانية التي قلت فيها كذا وكذا عن حزب الاستقلال غير ملائمة، ويجب ألا تنسى أن هذا الحزب كان هو حزب الحركة الوطنية، ونحن نريد أن نجدد هذه الحركة، فلا تنس الماضي// قال هذا لأنني كنت قد وصفت – بدافع الحماس والسجال – حالة الحزب في السنوات الأولى من الاستقلال، بما يبرز الفوضى والاضطراب الذي كان يعاني منهما «.

هكذا كانت أخلاق الرجل، ونضجه السياسي والتربوي، ودعمه للوحدة والجمع، فقد كان ينظر إلى عملية الانفصال عن الحزب الأم، مجرد عملية تجديد للحركة الوطنية، وليس انفصالا بالمعنى السلبي عنها.

لقد كان بين الرجلين (السي علال الفاسي) و(الشهيد المهدي بنبركة) «انفصال»، ما في ذلك شك، ولكنه انفصال يقع داخل «الاتصال» وليس خارجه. إن الاتصال بين فكر الرجلين قائم وبقوة على مستوى (الفكرة الوطنية) على مستوى (نحن المغاربة) والآخر (الاستعمار أو العميل) أما الانفصال فيعود إلى اختلاف مرجعيات الرجلين دون أن يفسد ذلك للود قضية: مرجعية (السي علال الفاسي)، يحضر فيها بقوة الفكر السلفي التحريري، أما مرجعية (الشهيد المهدي بنبركة) فقد كانت مسكونة ومهووسة بهم المستقبل، هم التحرر من التبعية للاستعمار، هم البناء والتقدم.

والآن، فأين مكانكما من مكانة الرجلين اسي شباط، اسي لشكر؟

للكلام بقية في الجزء القادم بإذن الله تعالى

يتبع

أضف تعليقك