حديث إلى ممتهني المعارضة السياسية وأدعياء الإصلاح ببلادنا (ج2)

حاتم حجي 17:3 | الثلاثاء 22 مارس 2016.

انتهينا في الجزء الأول من مقالنا إلى تصور مجموعة من التساؤلات بخصوص دور المثقفين ومدى استعدادهم للانخراط الفعلي في شؤون المجتمع والاهتمام بقضاياه المصيرية إلى جانب النخب السياسية. وباعتقادي، فإن مشروعية هذه التساؤلات    قد تنطلق من قناعتنا بإيجابية العمل الثقافي، ودوره في بلورة مشروع المجتمع المدني، الذي يتحدد من خلال الروابط الجماعية التي تنمو وتتطور بين مجموع الشرائح الاجتماعية في سياق القواسم المشتركة، قواسم تاريخية وحضارية وثقافية... ولن يتأتى هذا الإعمال إلا من خلال المؤسسات الثقافية التي تلعب دورا حاسما في بلورة وعي المواطن والمواطنة وتربيتهما وتكوينهما وتهييئهما لأداء هذه الوظيفة بروح نقدية، وفعالية تامة ولا شك أن التهيؤ لهذه الوظيفة يتطلب إنجاز العديد من المهام من خلال العمل الثقافي بفعل مختلف الجهود المشتركة بين مؤسسات الأسرة والمدرسة والجامعة والحزب والنقابة والجمعيات والمنظمات على اختلاف مشاربها، مع التأكيد على أن المهام المطلوب إنجازها تتطلب توفر رؤية مستقبلية واقعية، مرتبطة بمناهج علمية، وباعتماد معايير الدراسات المستقبلية التي تستمد مقوماتها من الرؤية التي نكونها عن الماضي ومن رؤية الحاضر، كيف نريده وكيف نريده أن يكون في ضوء الإنجازات الإنسانية الكونية. وبمعنى آخر، إن النضال المجتمعي بمنظور ثقافي متطور منفتح يمكن أن يوحد العلاقة الجدلية بين البنية التحتية، والبينة الفوقية للمجتمع عن طريق إسهامه في بلورة وعي الأفراد لمنافسة سلطة الدولة عبر مؤسسات المجتمع المدني، وتجاوز وصاية النخب السياسية، وهذا ما يجعل النضال السياسي – تبعا لذلك – يرتقي إلى مستويات أسمى، ويتحول بالضرورة إلى وظيفة منفتحة على مختلف التوجهات الفكرية، وتعمل على الرفع من مستوى الممارسة السياسية، كما أنها تهذب من نوازع الهيمنة الكامنة فيها ومن شوائبها، وهذا ما سيحد بالضرورة من السيطرة السياسية المتوحشة للنخب السياسية المتمركزة عبر المؤسسات الحساسة، والمتمرسة عبر الهيئات الحزبية والنقابية التي تشكل الدرع الواقي لها، والضامن لاستمرار نفوذها ومصالحها.

إن الثقافة التي أصبحت من صميم المجتمعات المتطورة، ليست ثقافة (الاحتفال المناسباتي)، وإنما أضحت فعلا ترتبط عضويا بحركية كل المجالات الحيوية من اقتصاد وتجارة وصناعة وسياحة... إنها المغذي الفعلي الذي يضمن استمرارية الإبداع والخلق والتجديد في مختلف القطاعات.

فالممارسة الثقافية لم يعد ينظر إليها في هذا العصر، بوصفها ممارسة نخبوية متعالية، أو ممارسة محكومة بضرورة أخلاقية فقط، بل أصبحت في عصر تكنولوجيا الاتصال والمعلوميات بمثابة (ضرورة مادية ملحة) تستوجب من الحاجات الأساسية ما لم تكن بحاجة إليها فيما مضى ... ونحن اليوم، قياسا على واقعنا السياسي والثقافي الكارثي ببلادنا قد لا نجد ما نعبر به عن هذا الوضع البئيس خيرا مما قاله الشاعر  دعبل الخزاعي رحمه الله:

وإني لأفتح العين حين أفتحها على كثير، ولكني لا أرى أحدا.

هذه حقيقة واقعنا السياسي الدالة على التخلف الحضاري والثقافي والاهتزاز النفسي على مستوى الذات وعلى مستوى المجتمع المفضي إلى انتفاء التواصل والحوار كوسيلة للتفاهم، وكأساس للتعامل، وكقاعدة لعلاقتنا في كل مجالات حياتنا ومناحي واقعنا، مما يفيد بأن أزمة الحوار هي أزمة شاملة ذات خلفيات ثقافية تربوية يعاني منها واقعنا السياسي، مثلما يعاني منها واقعنا الفكري والثقافي والتربوي، وهي أزمة تواجهنا في المجتمع، مثلما ترافقنا في البيت والمدرسة والجامعة، وهي قائمة بين الدولة والمجتمع مثلما هي قائمة داخل العديد من مؤسسات المجتمعين السياسي والمدني.

 وهذا بالتأكيد ما يفسر الحالة المتردية والمتدنية لواقع المعارضة السياسية بكل أطيافها وتجلياتها، مما يعمق من حالة الشلل التام، ومحاصرة كل محاولة اقتراحية جادة تسعى إلى تقديم إضافات نوعية على صعيد الفكرة والسياسية خاصة لدى صفوف نخبنا الشابة المحاصرة الطامحة إلى التغيير النوعي الضامن للإصلاح المنشود.

ومن تجليات المعارضة السياسية ببلادنا الناتجة عن هذا الواقع المتردي محاصرة الرأي المخالف، وإقصاء كل بديل عما هو قائم وإصدار أحكام الإدانة على أي محاولة لتجديد الواقع

السياسي أو تغييره.

وقد لا نبالغ اليوم، إذا قلنا  ومع الأسف الشديد إن المعارضة السياسية أضحت في واقعنا امتيازا قائما على الابتزاز والمساومة، وعلى منطق الو لاءات الفاسد، وعلى المحسوبية لا على الإيمان أو القناعة بأن المعارضة قبل كل شيء هي التزام وموقف، هي اصطفاف إلى جانب الصواب والحق والموضوعية، ونشدان الكرامة والحرية، هي الأمل، والنور الذي تهتدي به الغالبية الفعلية التي لا تقوم على التحالفات المقيتة، والتوافقات المصلحية، بل على الإرادة الحقيقية لضمان نشر الوعي، واقتراح البدائل الواقعية التي تستجيب للإمكانات الممكنة، ولمراعاة المرحلة وشروطها التاريخية والسياسية والاجتماعية.

 إن قراءة تاريخنا السياسي لازالت ملتبسة إلى حد بعيد على المغاربة. فكيف بشعب لا يملك ذاكرته السياسية التي لازالت حكرا على الزعامات ولا أقول النخب السياسية، أن يرقى إلى مستوى تخليق الحياة السياسية والاجتماعية، وإلى التصالح مع ذاته، ومع تاريخه؟

ولعل تاريخ المغرب السياسي بحصيلته الراهنة هو الترجمة الملموسة التي تدفع في اتجاه تأكيد هذه الحقيقة. وما ينشر الآن خاصة من خلال بعض المذكرات والاعترافات والحوارات الصحافية لبعض الزعماء السياسيين قد يضع أمامنا علامة استفهام كبرى : من نصدق؟ الأحياء أم الأموات؟

يتبع

أضف تعليقك