كــــائنــــات بــــــشـــريـــة، و لكنــــــــــــها ؟ !...

lenquete 10:31 | الاثنين 9 مايو 2016.

قد يبدو العنوان مستفزا بحكم خصوصية صياغته غير المألوفة ، و بحكم دلالة مكوناته المفتوحة على بعض التأويلات الممكنة . فمن ستكون إذن هذه الكائنات ؟ أجيب : إنها تلك التي تشكلت و استنسخت في معامل الغرب ، وفق معايير و أجندات معلومة و محددة ، فاستحالت بفعل فاعل إلى كائنات بشرية ، لكنها هجينة فاقدة لكل مقومات وجودها و هويتها، متحكم في إرادتها و مشيئتها ، و تعبيراتها المختلفة ، باسم القيم الكونية ، و مبادئ حقوق الإنسان ، و الحريات الفردية ، و العولمة ، وهلم جرا....

وما يدعيه هؤلاء باطلا ، إنما هو مجرد قيم نشأت وليدة الحاجة إلى تجاوز معاناة الإنسان في الغرب – بــــــاســـــم الحــــداثـــــــــة – المحتضنة لتلك المبادئ و الأفكار الداعية إلى التحرر من قهر و عبودية الكنيسة ، ورجال السلطة في زمن القهر و الاستبداد...

وإذا كانت هذه القيم الحديثة - تجاوزا - قد لاءمت الغرب في لحظة من لحظاته التاريخية، وكانت سببا في إنجاز نهضته الحضارية الحديثة بما لها من إيجابيات على المستوى المادي خاصة ، فإن ما نتج عنها في المقابل من مخاطر و سلبيات مست جوهر الحقيقة الإنسانية القائمة على السعي إلى تحقيق إنسانية الإنسان الضامنة لكرامته التي بها يسمو عن بقية الكائنات الحية ، و انسجاما مع نظرته التي جبل عليها ، و بدونها قد يفقد توازنه ، وقدرته على التحرر من نوازع الشر ، و إغراءات القوة المادية المدمرة...0

وقد لا يخالفنا أحد عاقل الرأي بأن الغرب - اليوم - يؤدي ثمنا مكلفا نتيجة توجهاته المشبعة بقيم إباحية المادية التي مست بكل جوانب حياته و مظاهرها الخاصة و العامة ، و ما لها من تبعات وخيمة على الجانب الإنساني خاصة بسبب استنفاذ كل منافذ الحاجات الطبيعية في المأكل و المشرب و الجنس آخذا بالأسباب المادية الصرفة في غفلة عن أهمية تغذية الجوانب الروحية التي يمكنها تحقيق التوازن المنشود ، و ما يليه من انضباط يحفظ للإنسان خصوصيته الإنسانية التي لا و لن تتحقق إلا بصيانة مبدأ الكرامة الإنسانية التي لا تقوم على السلوكات المشبوهة و الشاذة كما هو الشأن - اليوم - بالنسبة لأدعياء الحداثة بيننا ، ولما يستتبعها من شعارات حقوقية و تحريرية يدعي زعماؤها لأنفسهم الفضل في قيادة البلد نحو المجد المزعوم ، الذي لا يعدو أن يكون وهما وتضليلا غير مستند لأي شرعية ، أو منطق يحتكم إلى رجاحة العقل ، و سلامة العقيدة ، و سياق التاريخ ...

هذه الكائنات الهجينة تسعى اليوم ، وبالوكالة من ولي نعمتها في الغرب إلى أن تجد لنفسها موطئ قدم راسخة بيننا عبر قنوات و مداخل مأجورة ، و تحت غطاء المشروع الديمقراطي و النضال الحقوقي دفاعا عن المرأة وعن الحريات الفردية و كرامة الإنسان وفق أهداف مغرضة و مرسومة سلفا .

نحن لا نمثل موقفا عدائيا ضد الآخر ، لكننا إذا كنا في الغالب عاجزين عن قول الحقيقة جهارا ، فلا يصح لنا أن نناصر الباطل حتى لا ننساق و راءه و نسهم بدورنا في تفشي نتائجه و نشرها عبر التحريض على الفساد و الإفساد ...

إن اضطرارنا لهذه التوطئة يعبر عن حاجتنا إلى التصدي -  وفق ما يمليه علينا إحساسنا بالمسؤولية - لبعض المواقف المشبوهة التي أضحت في الآونة الأخيرة تتمدد مدافعة عن بعض السلوكات و الأفكار الشاذة ،إن لم أبالغ فأقول الممعنة في الشذوذ باسم حقوق الإنسان، و الحريات الفردية، و باعتمادها منهجية لا تدع مجالا للشك في كونها مدبرة و بإحكام، الغاية منها جس النبض وقياس درجة تماهي المجتمع مع تلك الخطط و الأهداف المرسومة و المبرمجة داخل مختبرات الغرب، جاهزة في انتظار عملية المصادقة و التسليم ...

إن الإشكال الحقيقي الذي يقض مضجعنا اليوم لا يتجلى في الدعوة إلى تبني تيار الحداثة بل في الجهل بمرجعيتها في الغرب، وفي إفراغها من روحها المتمثلة في عمقها الأخلاقي، و إشعاعها الفكري الحقيقي الذي يشكل الطاقة المحفزة لأي تقدم حقيقي يؤهل الإنسان إلى تجسيد إنسانيته، إضافة إلى الجهل بالحقيقة التاريخية الشاهدة على أن نشأة النزعة الإنسانية في الغرب ارتبطت بتأثير تلك الترجمات القرآنية التي تعاقبت منذ القرن 12 م إلى غاية القرن 18 م، وتبناها نخبة من الشباب المثقف الذين كانوا يفكرون و يعملون خارج نظام الكنيسة و ضدا عليها، فكان أكثر ما يشدهم إلى تلك القراءات في هذا الباب إعلاء القرآن من شأن الإنسان مقارنة بغيره من الكائنات .

وذلك ما عبر عنه أحد أبرز مؤسسي هذه النزعة في أوروبا في القرن 15 م ( 1486 ) الإيطالي   ( جيوفاني بيكوديلا ) الذي ألف كتابا بعنوان : // في الكرامة الإنسانية // قال فيه : // لقد قرأت في كتب العرب أنه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان //

و يقول آخر و هو ( المعلم برناردي شاطر ) ينتمي إلى أحد أهم المراكز العلمية لفرنسا يومئذ مقرا بفضل العرب المسلمين على ما تحقق للغرب من منجزات نوعية في مجال الحريات و الحقوق، و المعرفة : // نحن أقزام محمولون على أكتاف عماليق، و إذا كنا نشاهد أكثر مما شاهدوا و نرى أبعد مما رأوا، فليس ذلك لأن بصرنا أحد، أو لأن أجسامنا أطول، بل لأنهم يحملوننا على أكتافهم في الهواء، و يرفعوننا بكل طول قاماتهم الهائل //

و لنتمعن جليا فيما قاله الفيلسوف ( إدلاردي با ) ردا على سؤال وجهه إليه رجل عادي حول رأيه في موضوع الحيوانات ككائنات حية : // من الصعب علي أن أتحدث معك عن الحيوانات، فأنا تعلمت في الواقع من أساتذتي العرب اتخاذ العقل هاديا و مرشدا، في حين أنك أنت قائم بالخضوع لسلطة خرافة الكنيسة خضوع أسر و عبودية و هل هناك من اسم آخر يمكن إطلاقه على تلك السلطة سوى أنها قيود و أغلال؟؟؟ فكما أن الحيوانات البلهاء تقاد بواسطة حبل، و لا تعرف لا إلى أين، و لا لماذا هي مقتادة، و تقنع بمسايرة الحبل الذي يجرها، فكذلك الأغلبية منكم، إنها سجينة انقياد حيواني، مكتوفة مستسلمة لمعتقدات خطيرة تفرضها سلطة الكتاب //

وبعد، أفلا تخجل هذه الكائنات المستنسخة الهجينة من نفسها وهي التي تتباهى بتبنيها لقيم الغرب الحداثية، مع جهلها التام بأصول هذه الحداثة و مرجعيتها التي فقدت -  و للأسف -  جوهرها بسبب هذا الغلو نحو النزوع المادي للغرب و ترجيحه لقيم التنسخ و الانحلال باسم التحرر، و نشدان حق الإنسان في الحياة الكريمة ؟ !

 

 

 

                                                                    --       يتبع       --

أضف تعليقك