إتقــــوا الله! عــــــــباد الله! حديث إلى ممتهنـي المعارضــة السياسيـة وأدعياء الإصلاح ببلادنا (ج5)

lenquete 13:25 | الثلاثاء 19 أبريل 2016.

لقد صدق من قال : «إن شر البلية ما يضحك»

أتساءل مستغربا : أهذا قدر المغاربة، أن يبتلوا بهذا العفن السياسي؟ هل أرحام أمهاتنا أصابها العقم، ولم تعد تنجب غير أشباه شباط ولشكر ممن يصنعون الفرجة أو بلغة العوام (الحلايقية) الذين يرحلون بنا إلى زمن العنثريات، وزمن سيف ذي يزن علنا نستمتع بتلك البطولات الدونكيشوتية، وقد ينطلي علينا غالبا سحر الإلقاء والعرض فننجذب إليها، بل وننخدع بها أحيانا فنصدقها؟، الأمر مضحك حقيقة، بل أقول الأمر مبكي.

أتذكر جدتي رحمة الله عليها وهي تقول لي :

//آولدي لكرش تتولد الدباغ والصباغ// وكنت لا أعي حينها دلالة ما تقول، إلا أنني وبعد طول مراس أدركت أن زمن الدباغ إنتهى.

ونحن الآن نعيش على إيقاعات زمن الصباغ الذي يملك أهله قدرة خارقة على تلوين المواقف والصور والأشكال تبهرنا حينا وتخدعنا أحينا كثيرة، وهذا مع الأسف كان حظ الحركة الوطنية التي قدر لها أن تلد الدباغ والصباغ !. وقد يقول أحدهم : ما الحاجة إلى هذه التوطئة البهلوانية أقول : ليس لدي ما أجود به غير هذه القفشات التي تليق بمقام الزعيمين وتعكس بصدق الصورة المعبرة عن شطحاتهما ألمقززة ومواقفهما المنفرة يترنحان ذات اليمين وذات الشمال دون رسو على بر للأمان يحفظ ماء وجههما جراء ما يعانياه من إهتزاز نفسي وفكري، وشعور بالإحباط نتيجة الفشل الذريع المفضي بهما لركوب الفتنة أداة لتركيع الحكومة، ضدا على صناديق الإقتراع التي أفرزت بطريقة ديموقراطية رغبة الشعب في التعبير عن اختياراته الحرة. من باب رغبتنا في الإجابة عن تساؤلنا الذي ذيلنا به الحلقة السابقة من هذا المقال، والوارد حول بدائلكم المقترحة بحكم امتهانكم للمعارضة، وإدعائكم لإصلاح البلاد والعباد بسبب واقعنا المأزوم.

ننطلق مما نشر مؤخرا على الصفحة الأولى وبخط عريض «جريدة أخبار اليوم» ليوم الإثنين 29 دجنبر 2014 عدد 1561 بخصوص مقال بعنوان «شباط ولشكر ينتقلان من معارضة الحكومة إلى معارضة الحكم»  

وبيانا لمضمون هذا العنوان المثير، يؤكد كاتب المقال أنه وبشكل مفاجئ ومتزامن تقريبا، قام كل من حميد شباط الأمين العام لحزب الإستقلال، وإدريس لشكر، الكاتب الأول للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية في نهاية الأسبوع المنصرم بخرجات تصعيدية غير مسبوقة يرى المتتبعون أنها تنقل الرجلين // من معارضة الحكومة إلى معارضة الحكم// حيث اختار شباط الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر الوطني لشبيبته ليفاجئ المتتبعين بموقف داعم لكل من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وجماعة العدل والإحسان متهما حكومة بنكيران بمسؤوليتها عن ردة سياسية وحقوقية والوقوف وراء تراجع الحريات.

ومن جهة أخرى هاجم لشكر أولى أمس خلال إجتماع اللجنة الإدارية الحكومة والمخزن، وتيار الزايدي واللوبيات وبنكيران والإعلام المأجور، كما حذر من ظاهرة عودة الإنقلابات العسكرية وسنوات الرصاص بسبب ما وصفه بتشكل // نظام ولاءات جديد يشكل المشروع الإخواني جزءا منه لتكوين تحالف مصالحي مناهض لبناء دولة الديمقراطية والحداثة//.

كان هذا مضمون موقف الزعيمين من هذا الوضع المأزوم كما أشرنا الى ذالك من قبل.

هذا السلوك في الحقيقة ينطبق عليه المثل القائل : // جعجعة ولاطحين //، بل هو سلوك يؤكد ما ألمحنا إليه في حلقات سابقة بخصوص ما يتسم به من سذاجة فكرية أفضت إلى ضحالة  في الموقف السياسي لدى بعض نخبنا ويعكس كل من السيدين شباط ولشكر الواجهة الأمامية فيه من خلال إفتعال صراعات هامشية لا إعتبار لها ولا تسند مرجعيا مقارنة بما نحن في أمس الحاجة


إليه من مواقف جدية، وبدائل موضوعية وواقعية قادرة على الإنخراط الفعلي في ورش الجهود التي تتوخى تجسيد الطموح الشعبي، ولا أقول الطموح الحزبي الضيق الذي يشكل وصاية سياسية على قواعده، ولا يستند إلى شمولية في التفكير تقتضي بالأساس إستشراف الممكن في حل القضايا الكبرى للوطن، وفي تصور كلي لبناء المستقبل.

الموقفان معا، وفي باب اللعنة، لعنة القدر، لا يعدوان يشكلان صورة تحيلنا عبر الذاكرة إلى مرحلة الصبا، حيث كنا نفاجأ غالبا أثناء إنهماكنا في لعبنا بالملقب «بيدرا» كناية عن طوله الفارع،  وضخامة هيكله، وبأسه وهو يصيح في وجوهنا // لاعب ولا بيخا// يعني إما أن أكون شريكا أساسيا في اللعبة، وبمزاجي أنا وإلا لن يكون هناك لعب. إنها الصورة الصبيانية المشخصة لحقيقة الموقفين من واقع اللعبة السياسية ببلادنا والتي آل بها الحال  - وللأسف – إلى هذا المستوى من الإنحطاط و التدني.

إذا كان السيد شباط  قد صحا من نومته العميقة، وداهمه الحلم في إغماءاته، لنحدثه بالقول: // أنت نبي هذا الوطن، أنت المبشر بالخيرات//  فادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة // ليدعوا شبيبة حزبه إلى دعم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجماعة العدل والإحسان ضدا على حكومة بنكيران وأغلبيته، وعلى نظام الحكم ناسيا أنه بهذا السلوك قد يناقض مواقفه المعهودة. ومن باب // الشيء بالشيء يذكر// يمكن إحالة السيد الزعيم إلى تصريحاته النارية الموجهة إلى التيار الإسلامي بمختلف توجهاته والتي تصفهم بالظلاميين وبالعدميين، بل بالداعشيين، ثم إن الردة السياسية والحقوقية التي أشار إليها معلنا عن الدعوة العلنية إلى دعم التيار الحقوقي الممثل في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والتي يكن أعضاؤها مواقف عدائية صريحة ضد نظام الحكم.

أفلا يعلم السيد شباط بأن أساس نشأة بعض هذه الهيآت الحقوقية قد لا يشفع لها بأن تكون نموذجا للإحتذاء بها فيما يتصل بالإشكالية الحقوقية التي لا أحد من أبناء هذا الشعب البررة يشكل نشازا حولها. وبذلك فقد لا أجد حرجا في إحالتك سيدي الزعيم على نص موثق عسى أن يكون لك هاديا إلى الرشد والصواب.

ولقيمة النص في هذا السياق، سوف أصوغه دون اجتزاء كما ورد ضمن السلسلة الخامسة من منشورات (دفاتر وجهة نظر) وهو في الأصل عبارة عن حوار قيم أجراه توفيق بوعشرين ومحمد زرنين مع الدكتور عبد الله حمودي حول المشروع الديمقراطي بالمغرب ومعوقاته.

السؤال : د عبد الله حمودي: مشروع الديمقراطية نجد أنه معاق، هل في نظرك كباحث أنثر وبولوجي أساسا هذا أمر ناتج عن خلل في النظام الإجتماعي والثقافي أم أنه ناتج عن غياب إرادة سياسية للتحقيق وانجاز هذا المشروع من قبل النخبة السياسية ؟   

جواب: د.عبد الله حمودي: هذا موضوع متشعب والأحسن أن ننطلق من مثال ثم نحلل فيما بعد. المثال هو : أن بعض الإخوان اتصلوا بي بمناسبة تأسيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وأكدوا لي بأن هذه المنظمة الجديدة ستؤسس في إستقلالية عن الأحزاب والإدارة وقالوا : لابد أن تشارك حتى لا تبقى في هذا الإنزواء الذي أنت فيه منذ السبعينات وكنت لا أعتبر نفسي منزويا، وإنما اخترت المجال الثقافي عن قناعة رسخت


في ذهني بأن الممارسة السياسية القائمة يجب إصلاحها، وأن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتم في غياب التنقيب والنقد الثقافيين، على كل حال إنضممت إلى المشروع، وهكذا اجتمعنا بقاعة (سمية) بالرباط التي كانت غاصة بالحضور وبعد المناقشة فتحت لائحة المجلس التأسيسي واقترح بعض الأصدقاء اسمي في السبورة.

وبعد الإنتهاء من تسجيل ألأسماء وأظن أن عددها كان 77 اسما، تقدم أحدهم وأخذ الكلمة ثم قال: إن هذه الأسماء كلها معروفة بالأمانة والنزاهة والأفكار التحررية والنيرة وتستحق كل هذه الشخصيات أن تكون في اللجنة التأسيسية.

- - غادرت الإجتماع وقطعت الإتصال بالمنظمة، ثم سألني بعض الإخوة عن سبب هذه المغادرة فكان جوابي: // إننا ذبحناها قبل أن نخرجها إلى الوجود//.

- - وإذ أرفض هذه الممارسات الإخضاعية وأساليب ألمؤامرات فإني في نفس الوقت أدرك أن لا سياسة بدون تحالفات ومفاوضات وتدابير يحتفظ بمعرفتها كل تكتل للدفع بمصالحه، لكن لابد أن يكون هناك معيار للسلوك والمعيار الأول هو أن القضايا المصيرية يجب أن تطرح للمناقشة في الفضاء العمومي، والمعيار الثاني هو أنه لما تظهر أطروحات مختلفة يحصل التصويت بنزاهة، وتبقى التدابير الخفية خارج عملية الاقتراع نفسه. المشكل هو هذا : فهنا ليست السلطة من قام بهذا الأمر ولم يكن هناك إكراه من طرف الإدارة، فهذا يدل على ما أسميه // تركيبة الإخضاع //.

ومشكل الديمقراطية يكمن في كيفية دمقرطة المجتمع في علاقاته وفي حياته اليومية وقد كانت هناك محاولات وبدايات لهذه التربية في سنوات النضال من أجل الإستقلال وإلى غاية أواسط الستينات، ثم إضمحلت فيما بعد، والسؤال الآن هو : هل يمكن بعث هذه التربية الديمقراطية من جديد؟.

وإنه لمن الصعب إعادة هذا البناء بعد طمس معالمه حتى داخل التنظيمات التي تعد نفسها الوارث الشرعي للحركة الوطنية، ومما يزيد المسألة تعقيدا أن الأغلبية في هذه التنظيمات أصبحت للشباب، وأن هذا الشباب رغم تنصيبه كوارث للحركة الوطنية، فإنه في الحقيقة وارث لقيم وممارسات جديدة ظهرت بعد الاستقلال، وهي قيم وممارسات كان مدارها الرئيسي والدائم استيعاب النخبة.

وبعد، فأنتم يا سيد شباط بمواقفكم، وبتلميحاتكم ألمغرضة الهادفة إلى الإبتزاز البشع إنما تمارسون ثقافة التحريض على الفتنة  والإقصاء، وتكرسون ثقافة المؤامرة والإخضاع عن طريق سعيكم إلى فرض الأمر الواقع. إنكم في الحقيقة قد تدافعون عن اللاديمقراطية بإسم الديمقراطية وعن الباطل والإدعاء بإسم الحق، وتنسون بأن طبيعة العمل السياسي تقوم على التواضع والحكمة، وعلى الإقرار بحق الآخر في أن يكون في الواجهة وفي أن الفرق في حسن النوايا مع الله ومع العباد سواء وصلت إلى القمة، أو لازمت القاعدة.

إنكم وبهذا السلوك، إنما تعلنون وبكل تأكيد عن إفلاس سياسي تام. وأقول لكم من باب التذكير : // إذا كان بيتك من زجاج، فلا تضرب الناس بالحجارة//.


يتبع

أضف تعليقك