حديث إلى ممتهني المعارضة السياسية وأدعياء الإصلاح ببلادنا (ج4)

lenquete 11:35 | الخميس 7 أبريل 2016.

حين انتهينا في الحلقة السابقة من مقالنا إلى مسائلة كل من شباط ولشكر على ضوء إحالتهما على كل من النموذجين سي علال الفاسي، والشهيد المهدي بن بركة عسى أن يستأنسا هذا الماضي النضالي المشرق، ويستوحيا ما يمكن استحيائه علهما يوفقا في ما يهدفان إليه في إعادة الاعتبار للعمل السياسي حسب ادعاءاتهما.

هذه المسائلة تشكل في الأصل استفهاما تقريريا استنادا إلى القاعدة التي تقول ://لا معنى للمقارنة مع وجود الفارق//.

قيل لجحا :// عد لنا المجانين في هذه القرية

قال : هذا يطول بي ولكني استطيع بسهولة أن اعد لكم العقلاء//.

هذه حقيقة واقعنا السياسي، وهذه حال زعماءنا. لقد ابتلينا بالعقم الفكري والسياسي الضارب في أعماقنا بفعل هؤلاء المجانين في أدعياء الحلول والوصفات السحرية لواقعنا المستعصي، وهم يجعلون، أو بالأحرى يتجاهلون إلى الأتعاض بالمثل السائر ://فاقد الشيء لا يعطيه//.

يقول سي لشكر( الزعيم التاريخي )  في رده على سؤال ورد ضمن البرنامج الحواري بقناة //ميدي 1 تفي بعنوان 90 دقيقة للإقناع // ليوم الخميس 25 دجنبر 2014، حول إمكانية تأسيس توافقات مع أحزاب أخرى خارج المعارضة، خصوصا // حزب العدالة والتنمية // يقول ://لا يمكن، فانا اعتبر هذا الأمر من باب الاستحالة، والمبرر اختلاف المرجعيات الاديولوجية تم استطرد قائلا : لديكم تجارب في دول مختلفة كتركيا وايران مثلا حيث تهاوى ذلك التحالف القائم بين العلمانيين والإسلاميين، مؤكدا أن الإسلاميين يحتكرون الحقيقية المطلقة لأنفسهم// انتهى مضمون قول سي لشكر.

وباعتقادي، سيشكل هذا الرد دليلا كافيا على ما اشرنا إليه من عقم صارخ على المستوى السياسي في النضج الفكري والحكمة على مستوى تدبير الخلاف على أسس عقلانية موضوعية.

وإذا كان (الزعيم  التاريخي) يدعوا إلى تجديد دماء الحزب وإعادة الاعتبار للجانب التنظيمي والسياسي، فان الأمر لا يستقيم بسبب غياب رؤية شمولية متكاملة ومنسجمة، ووعيه بخصوصية المرحلة وشروطها، ومتطلباتها العاجلة والآجلة.

إن سي لشكر، لا زال  أسير النظرة التقليدية العدمية في فهم وتمثل الدلالة العلمية والسياسية للمرجعية الحزبية، ودورها في التفاعل مع سياقات المرحلة، وصياغة البرامج القادرة على الخلق والابتكار بدلا من المهاترات والمزايدات السياسية العاجزة عن الإسهام في بصم المسيرة التنموية الشاملة باسم الحزب تأكيدا لنضالاته التاريخية المشهودة دون نزاع.

لا يمكن اعتبار المرجعية الإديولوجية للحزب سببا لإقصاء الأخر، فالمرجعية الإديولوجية في الأصل تشكل ضمانا للتنوع  القادر على خلق الغنى الفكري والسياسي بدلا من إعتباره أساسا للرفض والإستبداد بالحقيقة المطلقة . هذا المفهوم العدمي  أضحى متجاوزا والمرجعيات الحزبية يجب ان تصير أساسا للبرامج والبدائل المقترحة والتي تصب رغم تمايزها مع غيرها في خانة الوطن، « ولا شيء يعلوا فوق الوطن».

وليس بالضرورة أن نسمي هذه المرجعيات الاديولوجية او نصنفها في قوالب تالبثة غير قابلة للتجدد والمواكبة، بل الأصل : ما الذي يمكن لهذه المرجعيات التى يتبناها الحزب من نتائج ايجابية وفعالة على مستوى تجسيد الطموح الشعبي المرتقب والمأمول؟  

ثم إذا كنت أيها(الزعيم) تعتبر التجربة التركية والإيرانية فاشلة. فالسياق التاريخي للأحداث يؤكد العكس بدليل ما حققته تركيا من نمو اقتصادي أهلها لتكون قوة إقليمية لها وزنها في المنطقة وفي العالم، وكذلك بالنسبة لإيران التي اضحت قوة عسكرية وتكنولوجية ذات وزن وذات نفوذ في تقرير السياسات الإستراتيجية في المنطقة برمتها.

ويحضرني في هذا الباب ذلك الموقف الثابت للمفكر والأديب المرحوم العقاد في كتابه «عبقرية الصديق» حين يتحدث على نظم الحكم وأهميتها في تقرير مصائر الشعوب، حيث يقول ://ليس العبرة في هذا بصورة النظام الحاكم ملكيا، اوجمهوريا// وإنما العبرة في ذلك بصدقية وعدل هذا النظام، وليكن كما شاء//وبذلك، فالعبرة ليست بصورة النظام الحاكم وبمرجعية الحزب الممثل لهذا النظام بل بمضمون ودلالات مواقفه القادرة على جس النبض، وسلاسة التدبير بحسب المستجدات والسياقات والتوازنات السياسية والاجتماعية.

وقياسا (على حزب العدالة والتنمية) والذي يتزعمه السيد بن كيران كرئيس للحكومة في إطار توافقاته مع أحزاب أخرى ممثلة للأغلبية  قد برهن على جرأة وشجاعة سياسية ناذرتين في تدبير بعض الملفات الحساسة المتصلة بالأمن المجتمعي، والعالقة منذ الإستقلال رغم تجربته الأولى في تدبير الشأن العام ، وها نحن الآن وبكل موضوعية نلمس شيئا فشيئا بوادر وإرهاصات هذه السياسة، وانعكاساتها الايجابية والمؤثرة فيما يتصل بفتح نقاش عمومي غير مسبوق قد يمهد الطريق بخطوات أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها في خلخلة وضعنا المتجمد الذي طال به الأمد، مع العلم أنكم كأدعياء الإصلاح وكمعارضين لم تدخروا جهدا في السعي إلى تقويض أركان هذه الحكومة والدفع عن طريق التحريض بالقواعد الشعبية إلى التشكيك في نزاهتها ومصداقية جهودها، ووفاءها بوطنها دون سند سياسي أو فكري له أهميته، وحججه الموضوعية. ومع الأسف، فقد نلاحظ  بخصوص قواعدكم الحزبية أنها نفسها قد ارتهنت لهذه المواقف المتصلبة، مواقف الإقصاء، وسلوك التحالفات الضيقة، بدلا من الإرتهان إلى التأطير التربوي والفكري والسياسي الذي يؤهلها لإنجاز مهامها النضالية على الوجه الصحيح والمشرف.

فالعلاقة بين قواعدكم الحزبية والقواعد الشعبية، علاقة مشبوهة قائمة على منطوق المثل الشعبي// تعلموا لحجامة فروس ليتامى//.

ورأفة بكم  أدعياء الإصلاح ، أحيلكم إلى إحدى المواقف التاريخية للشهيد المهدي بن بركة عسى ان تكون درسا ونبراسا لكم تهتدون على أساسها.

وفي إطار إحدى الدورات التكوينية للأطر الحزبية والتي كان الشهيد المهدي بن بركة يشرف عليها مباشرة بالدار البيضاء سنة 1959 يقول المرحوم محمد عابد الجابري ://حين اخذ ذات مرة يتحدث في هذا النطاق عن العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، حيث تحلق هؤلاء الأطر بعد انتهاءه من محاضرته، وسعيت اليه بقولي : لقد حدثتنا عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص الخ...

فلماذا تقول://الاشتراكية//بدل هذه التعبيرات المختلفة؟ نظر إلي وقال : لا تستعجل، (قل ما فيها ولا تقلها إلى أن يحين وقتها) ثم أضاف قائلا الناس عندنا مازالوا واقعين تحت الدعاية الاستعمارية فيعتقدون أن الاشتراكية هي الشيوعية وان الشيوعية هي الكفر. نحن حركة وطنية جديدة تريد بناء مجتمع جديد... نريد التحرر من الاستعمار القديم والجديد... هل فهمت؟ //انتهى – هكذا كان الشهيد المهدي يرى ان التطور الذي يجب ان يعرفه الحزب، لابد و ان يكون انعكاسا للمستوى الفكري للمجتمع ولإيقاع تطوره بحسب كل  مرحلة   ولأنه لابد من تكييف وضع الحزب بالشكل الذي يجعله يتجاوب مع كل تطور ويدفع به نحو البناء والتجديد.

وليس تشبثنا بالمرجعيات الإديولوجية هو الذي يمكن تحقيق الفارق، إنما القدرة على تصنيف محتويات هذه المرجعيات بذكاء، مع إضفاء المرونة على دلالتها بحسب تفاؤلنا مع الأخر، ومع الواقع.

ثم إن الشهيد المهدي كان مدركا بان الشعب المغربي مازال يعيش على فطرته، وينطق على سجيته دون أن يكون قد الم بشيء من منطق الخبراء والمحللين السياسيين .

هناك قولة وردت على لسان عربي يعيش على فطرته، فيما يتصل باستدلاله على اثبات وجود الله تعالى :// البعرة تدل على البعير واثر السير يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وارض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، إلا يدل ذلك كله على الله اللطيف الخبير؟//.

إن قناعة الشهيد المهدي بضرورة//تجديد الحزب//لم تكن مجرد شعور بان الحزب قد بدأ في (الترهل) وان استمراره على هذه الحال سيجعله يتخلف عن تطور المجتمع، فحسب، بل كان هذا الوعي نفسه مظهرا من مظاهر وعي عميق بضرورة تطوير المجتمع لا بإعطاء الأولوية لصراعات هامشية فجة ومفتعلة، والاهتمام الفعلي بإعطاء مفهوم «الاستقلال «معناه الحقيقي والعميق كما هو في ضمير الشعب، لا كما هو في نوايا وتربصات أدعياء الإصلاح.

وهي مهمة تتطلب من اطر الحزب وتنظيماته الشعور بهذه المسؤولية، وتمثلها، مع تحديد تصور واضح ودقيق لخصوصية وطبيعة المجتمع الجديد المنشود، مع ما يستلزم من شروط وإمكانات موضوعية وذاتية ضرورية لبنائه، ومن أهمها: اعداة الأداة أي الحزب، القادر على أن يكون قاطرة هذا المشروع النهضوي للوطن.

وبهذا يميز الشهيد المهدي بين النضج السياسي، أو ممارسة السياسة كمفهوم عقلاني وأخلاقي، وبين الوصاية السياسية التي تمارسها – وللأسف - أحزابنا المتآكلة باسم المعارضة، وأدعياء الإصلاح.

والأن نحن حيال وضع مأزوم لا جدال في ذلك، والذي يؤدي فثمن هذا الوضع الشعب وحده!

فما هو السبيل لتجاوز هذا الواقع يا ممتهني السياسة وأدعياء الإصلاح؟

الجواب في الحلقة القادمة بحول الله!



أضف تعليقك